يروى أنه في تلك الليلة التي ولدت فيها رابعة لم يكن هناك شيئ قط في دار والدها , لم يملك قطرة زيت يدهن بها موضع خلاصها ولم يكن هناك قنديل ولا خرقة يلفها بها وكان لأبيها ثلاث بنات كانت هي رابعتهم فسميت رابعة , ومن ثم نادت عليه زوجه قائلة : اذهب إلى جارنا فاطلب منه قطرة زيت وكان قد أخذ على عاتقه ألا يطلب شيئا قط من مخلوق فخرج ووضع يده على باب الجار وعاد وقال إنه لا يفتح بابه فبكت المرأة كثيرا وأطرق الرجل على ركبته وهو حزين ونام , فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد قال له : لا تحزن إن هذه البنت التي ولدت هي سيدة سوف يرجو سبعون ألفا من أمتي شفاعتها
ثم قال : اذهب غدا إلى عيسى بن زادان أمير البصرة واكتب على ورقة الآتي ( بدليل أنك تصلي على النبي كل ليلة مائة مرة وأربعمائة ليلة الجمعة ونسيتني ليلة الجمعة الماضية , فادفع كفارتها أربعمائة دينار حلالا إلى هذا الرجل )
عندما استيقظ والد رابعة بكى ونهض ليكتب الرسالة وأرسلها على يد حاجب للأمير فلما قرأها قال : أعطوا الفقراء ألفين دينار هبة لهم لأن النبي ذكرني وأعطوا أربعمائة دينار لذلك الشيخ وذهب إليه يسأله عن كل ما يريد ليعطيه له
وعندما شبت رابعة مات والدها وحل القحط بالبصرة وتفرقت الأخوات وذات مرة رآها رجل فأعجبته فسباها وبيعت بستة دراهم
وكان سيدها يأمرها بالأعمال الشاقة وذات يوم بينما كانت تمضي في الطريق اعترضها رجل فأرادت أن تفر منه فسقطت في الطريق وعجزت عن النهوض فوضعت وجهها في التراب وقالت يا إلهي أنا غريبة ويتيمة وأسيرة وعبدة وعاجزة ولا أبتغي من هذا الكرب إلا رضاءك فسمعت صوتا يقول : لا تحزني إن غدا ستكون منزلتك هي أن يزهو بك المقربون إلى السماء , ثم عادت رابعة إلى دار سيدها وكانت تصوم النهار وتقوم بالخدمة ثم تقوم الليل لله
استيقظ سيدها ذات ليلة فرأى رابعة وهي تصلي وتناجي ربها وسمعها تقول : إلهي تعلم أن هوى قلبي في اتباع أمرك ونور عيني في خدمتك , لو أن الامر بيدي لما توانيت لحظة ولكنك جعلتني تابعا لمخلوق , وبينما هي في هذه المناجاة رأى السيد قنديلا متدليا فوق رأسها ومعلقا من دون زنجير وقد أضيء الدار كله من أشعته فخاف الرجل وانصرف وأعتقها في الصباح
اتجهت بعدها لصومعة تتعبد فيها ثم قصدت الحج وكان لديها حمار وضعت عليه متاعها ثم نفق الحمار فقال الناس : نحمل متاعك , قالت : لم أجىء متوكلة عليكم , فمضى الناس وبقيت رابعة وحدها فرفعت رأسها وقالت : إلهي أيفعل الملوك هكذا بامرأة غريبة عاجزة , دعوتني إلى بيتك , ثم أنفقت حماري في الطريق وتركتني وحيدة في البيداء ولم تكد تتم مناجاتها حتى تحرك الحمار فوضعت عليه المتاع ومضت
يروى أن رابعة كانت تصلي في ليلة في صومتها وقد تعبت فنامت نوما عميقا فدخل عليها لص وكانت لديها عباءة , أخذها وأراد أن يخرج فلم يجد مخرجا فوضعها ثم رأى المخرج فأخذها ثانية فلم يجد المخرج فوضعها ثانية وهكذا عدة مرات ثم سمع صوتا : لقد أسلمتنا روحها منذ سنين ولا جرأة لإبليس أن يحوم حولها فكيف يجرؤ لص على الدوران حول عباءتها, أيها اللص لو أن حبيبا نام فهناك حبيب يقظ يحافظ عليه
يقال أن رابعة كانت هي الشخص الوحيد الذي لو لم يكن حاضرا في مجلس الحسن البصري كان الحسن يترك المجلس لذلك
يروى أيضا أن الحسن البصري قال : بقيت يوما بليلة عند رابعة وتحدثت عن الطريقة والحقيقة ولم يجل بخاطري أنني رجل ولم يجل بخاطرها أنها امرأة , وعندما نهضت في آخر الأمر نظرت فوجدت نفسي مفلسا ووجدت رابعة مخلصة
يروى أن الحسن عرض عليها الزواج فقالت : يعقد النكاح على موجود وهنا قد انعدم الوجود لأنني قد فنيت عن نفسي وبقيت به وأنا كلي ملكه وتحت أمره , اخطبني منه لا مني
فقال يا رابعة : بم نلت تلك المكانة ؟ قالت : بأن فقدت كل المنال منه , قال الحسن : كيف تعرفينه؟ , قالت : كما تعرفه أنت يا حسن , أعرفه بلا شيء
كانت تقول في مناجاتها : يا إلهي لو ألقيت بي غدا في جهنم , أصرخ قائلة إنني أحبه , أيفعل هذا مع الحبيب ؟ فنادى هاتف : يا رابعة لا تظني بنا ظن السوء , سننزلك إلى جوار أحبائنا حتى تتحدثين معنا بحديثنا
من أقوالها : لو أنني أعبدك خشية جهنم فاحرقني بها ولو أعبدك أملا في الجنة فاحرمني منها ولو أعبدك من أجلك فلا تضن عليّ بالجمال الباقي
يروى أن الحسن البصري ومالكا بن دينار وشقيق البلخي دخلوا على رابعة ذات يوم وكانت مريضة فقال الحسن : (ليس بصادق في دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه) قالت رابعة : تفوح رائحة الغرور من هذا الكلام , قال شقيق:(ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه) قالت رابعة : ينبغي الأفضل من هذا , فقال مالك : (ليس بصادق في دعواه من لم يتلذذ بضرب مولاه) , قالت رابعة ينبغي الأفضل
فقالوا لها قولي أنت
فقالت : ليس بصادق في دعواه من لم ينس الضرب في مشاهدة مولاه
رأوا رابعة بعد موتها فقالوا: اشرحي كيف حالك؟ وكيف نجوت من منكر ونكير ؟ قالت : دخلا المكان وقالا من ربك ؟ فقلت عودا وقولا لله : إن لم تكن تنسى عجوزا ضعيفة بين آلاف مؤلفة من الخلق وأنا الذي عرفتك في الدنيا بأسرها لا أنساك قط حتى ترسل شخصا ليسألني من ربك ؟!
تذكرة الأولياء
فريد الدين العطار النيسابوري